بيت اليتيم في السويداء مسرح من العقوبات والشؤون الاجتماعية جمهور يتفرج

بيت اليتيم في السويداء مسرح من العقوبات والشؤون الاجتماعية جمهور يتفرج

الكـاتبة:
رغدة العزيزي

وضعت الشريط الأسود على صورتها المعلقة وذهبت حيث تعيش في دار الأيتام.

(أنا ذاهبة للموت، لكن إذا لم أمت سأقتل العالم أجمع) هذا ما قالته (ر – د) وهي في طريقها إلى الدار بعد انتهاء زيارتها الأسبوعية لأمها. فتاة أجبرها يتمها على العيش في جمعية الرعاية الاجتماعية في السويداء (بيت اليتيم).
لم تقرر الموت كونها يتيمة الأب، لكن ما حدث لها في بيت اليتيم كان أكبر من يتمها، فالعقوبة التي حلت بها لم تغب عن زوايا ذاكرتها، عندما ضربها مدير الدار بيده وقدمه، أمام زميلاتها وبوجود أمها التي لم تستطع الدفاع عن ابنتها بسبب ضعف بصرها ما زاد من إحساسها بالإهانة، خاصة عندما أمسكها من أذنيها وأمرها بالركوع عند قدميه.
لم يكفه الضرب المؤلم ومجموع الإهانات بل أمر بحرمانها من الطعام مدة أسبوع، وبعد التوسل خفف حكمه لثلاثة أيام، وعندما سألنا (ر) لماذا قسا عليك هكذا؟ أجابت: (يريدني أن أعمل جاسوسة لحسابه، وأنقل له كل شيء يدور في الجمعية حتى أحاديث البنات بين بعضهن، لكن رفضي جعله يحقد علي ويؤذيني بالضرب).
تتابع (ر) حديثها فتقول: (استيقظنا ذات يوم على صراخ إحدى المشرفات متسائلة، من منكن مزقت اللوحات المعلقة على الحائط؟ ولأنه لم يجبها أحد أنزلتنا إلى القبو حيث تكثر الفئران والجرذان وحشرات لا نعرف اسمها، وبقينا على هذا الحال «11» ساعة بدون طعام وشراب، ولولا وجود المتبرعين لدار اليتيم مصادفة واكتشافهم ما حدث لنا لما كنا اليوم على قيد الحياة).

تحاول (ر) اليوم الانتحار بشتى الوسائل، ومن ينظر إلى الجروح في معصمها يعرف عدد محاولات الانتحار، خاصة أنها لم تعد تسمع بأذنيها كما يجب بعد الحادثة سالفة الذكر.
لم يكن حال أم (ر) أفضل بكثير من ابنتها، فقد زاد على ألم الابتعاد عن أطفالها رؤية الكدمات المتورمة على جسد ابنها الصغير عندما كانت تقوم بتنظيفه كونه يعيش بذات الدار أيضاً وما زاد مرارتها العجز عن محاسبة المدير على ما يجري خوفاً أن يطرد أبناءها لأنها غير قادرة على إعالتهم، كونها تعيش حالة فقر مدقع يجبرها على التحمل.

قصص مثل الخيال:
لـ (ر) شركاء على خشبة مسرح العقوبة، فالطفل (ح -ش) لم يغب عن ذهنه ما حصل بزميلته، ربما لأن المسرح نفسه شهد أقسى من تلك العقوبة عندما رأى أخاه الصغير البالغ من العمر (9) سنوات يُحلق شعره وهو عار أمام أصدقائه بتهمة أنه يقوم بفعل لا أخلاقي مع زميله في الحمام، لكن الحقيقة حسب ما يذكرها (ح) مختلفة فيقول: دخل أخي الحمام ليستحم وإذ بصديق له يدخل بعده لذات الهدف، وعندما لم يجد الماء الساخن تجادلا على أحقيتهما بالماء وإذ بالمشرفة تفتح عليهما الباب وتصرخ موجهة سؤال الاتهام ماذا كنتما تفعلان؟ وتمسكهما لتوقفهما خلف بعضهما وتصورهما بكاميرا هاتفها المحمول وتعرضها أمام المدير متزعمة أنها أمسكتهم بالجرم المشهود.
يتابع (ح) حديثه متوسلاً، (أرجوكم استبدلوا لنا هذه الإدارة بأخرى أكثر رحمة)، ويضيف: (نريد أيضاً مشرفين ذكوراً وليس مشرفات فلدينا أمور خاصة نحرج بالبوح بها أمام المشرفات بالإضافة إلى إننا بحاجة لأب).

حال الفتيات ليس بأفضل:
في بيت اليتيم يحدث ما لا يتخيله عقل، فمحبة الفتيات لبعضهن أصبحت سبب في لصق التهم غير الأخلاقية لبعضهن. وحسب ما تروي (ر-م) لم أعد خائفة أن أطرد من الدار كما فعلوا مع غيري، قصتي مخجلة صحيح، لكن هم ألفوها، فكانت البداية عندما سألنا المدير ماذا تفعلن في الليل أنت وصديقتك (ر-ر)؟ ولماذا تقربا فراشيكما من بعضهما؟ لم أفهم في البداية ما يقصده، ولم أتوقع أبداً أن المحبة بيننا تأخذ هذا البعد،لكن ما زاد الطين بلة إنه عندما أنكرنا ما وجه لنا من اتهامات لا أخلاقية، قالت لنا المشرفة إني رأيتكما وصورتكما على المحمول، وعندما طلبنا مشاهدة الصور رفضت.
لم يعاقبنا المدير مثل أصدقائنا على هذه التهم، لكنه كان يختلق الحجج الواهية كي يضربنا، فمثلاً إذا لم نذهب إلى المطبخ لتناول الغداء يضربنا بطريقة مهينة، وتؤيد (ر-م) ما قالته (ر-د) برغبة مدير الدار بتشغيل الأطفال جواسيس لحسابه.

طردت لأني لم اسكت على الخطأ:
(م-ش) من مؤسسات الجمعية، هي نزيلة منذ (26) سنة حيث أشرفت على تربية أجيال فيها، كانت تطعم وتشرف على من مثلها من المعاقين، لكن رغم كل هذه الخدمات المجانية كوفئت بالطرد بحجة أنها تكلف الدار الكثير من الدواء، رغم أنها أكدت لنا أن أغلب أدويتها كانت من المتبرعين، طبعاً هذه الحجة الظاهرة لكن ما خفي كان أعظم، فتقول (م): (إن السبب الحقيقي لطردي هو أني لم أسكت على سلوك مدير الدار مع نزلاء الجمعية، وكنت أحضهم على عدم السكوت عن حقوقهم).

مشكلات نفسية بدون علاج:
أما الكاتبة (ريما فليحان) وهي متطوعة سابقة في بيت اليتيم تروي لنا تجربتها التي مضى عليها سنتان فتقول: (بدأت ورشة عمل دامت «20» يوماً لتعليم الأطفال الرسم بهدف عرض هذه الرسوم على مختص بتحليل شخصيات الأطفال من خلال إسقاط مشاكلهم على الورق عن طريق الرسم، فبهذه الطريقة يمكن للطفل التنفيس عن رغباته دون خوف وتخرج المشكلات على الورق ليتسنى لنا معرفتها وكيفية علاجها، وفعلاً أنجزنا الورشة ورسم الأطفال مارسموا، فكانت أغلب الرسوم وجوه صغيرة بلا ملامح، طبيعة حمراء نارية، شخصيات بلون أسود، زوايا حادة، وأغلب الرسومات كانت متشابهة، وهذا ما يدل على أن الضغوط واحدة. إضافة إلى انعدام الشخصية المستقلة للأطفال خاصة أنه لا يوجد خزن مستقلة للطفل أو مناشف أو حتى العاب، فهي للجميع ما يؤدي إلى انعدام الحس الفردي وكأنهم أشبه بقطيع سهل قيادته).
وتضيف فليحان (كان من المفترض عرض هذه الرسوم ومناقشتها بوجود مرشد نفسي مختص، وبعد أن اتفقنا مع «مجموعة اليتيم» في حلب لإقامة المعرض وتوزيع هدايا وطعام للأطفال البالغ عددها «20» كيساً فيها ملابس جديدة و«60» وجبة دجاج، وحصلنا على الموافقة من الجهات الحكومية المختصة، لكن منعنا من إقامة المعرض في الوقت الذي وصلت فيه الهدايا ووجبات الطعام ومنعت أنا أيضاً من دخول الدار).

ما هو حال بناء الجمعية:
أما عن بناء الجمعية، فالذي رأيناه كان أكبر دليل على إهمال الدار، فالحمامات من أقذر الحمامات الموجودة في العالم، بالإضافة إلى عدم وجود صابون ومناشف، ولدى صعودنا إلى الطابق الثاني كان البرد قاسياً، والأسرة ملتصقة ببعضها بسبب ضيق المكان بالإضافة إلى أسلاك كهربائية متدلية من مآخذها المخصصة وغرفة الغسيل ليس لها قبضة باب، فعندما يريد الطفل دخولها يضطر لاستعمال مقص ونافذتها ليست بأفضل حالاً من بقية النوافذ، فهي مفتوحة دون شبك للحماية رغم انخفاض مستواها وسهولة سقوط الأطفال في حال نظرهم من خلالها إلى أسفل بالإضافة إلى المصارف الصحية المكشوفة دون غطاء حديدي والمتمعن في هذه الحال يدرك حتماً أن الجرذان تسكن مع هؤلاء الأطفال، أما آخر اختراعات الأطفال فهو خرطوم ماء موصول من الصنبور ومعلق على الحائط، وفي آخره وصلة تسهل عملية الاستحمام، وعندما سألنا المشرفة المختصة لماذا هذا التقصير أجابتنا وكأنها في دائرة حكومية، (رفعنا كتاباً لمجلس الإدارة ولا يزال نائماً منذ شهرين في درج مكتب المدير).
وعندما سألنا من يقوم بمتابعة دراسة الأطفال؟ تجيبنا ذات المشرفة، (لا يوجد في الجمعية سوى «8» مشرفات أربع بقسم الذكور ومثلهن بقسم الإناث، وذات المشرفات يقمن بتدريس الأطفال ما يؤدي إلى تقصيرهن بعملهن كمشرفات وعملية التدريس بسبب الأعباء الزائدة، وذلك كون مدير الجمعية سرح المدرسات بحجة التخفيف من المصاريف وتضيف: التعليم ليس مهماً!).

أين ميزانية الدار؟
حملنا هذه الهموم وذهبنا بها لرئيس مجلس إدارة الجمعية (مزيد الحناوي) ليقول لنا (إن هذه الدار هي الوحيدة في السويداء، وتضم «110» نزلاء بينهم المعاقون والعجزة وطبعاً ذكورا وإناثاً، ولا يوجد في حسابنا بالمصرف غير «17» مليون ليرة سورية، فاستهلاكنا الشهري «8» ملايين تنفق على أجور موظفين وطعام وشراب) متناسياً (الحناوي) أن هذه المصاريف تغطيها تبرعات الدار، وعندما سألناه ماذا تنوي فعله برصيد الدار الموجود في البنك؟ أجاب (إن هناك مشروعاً للتوسع وإنشاء أبنية جديدة) لكن ما لحظناه من رد (الحناوي)، أنه لم ينتبه على رداءة الأحوال في الجمعية أما عن ما يجري من فساد أخلاقي وسلوكي أيضا قال (اسمحي لي. لن أرد بكلمة).

أين دور الجهات الحكومية مما يحدث؟
أكدت المفتشة (فادية صعب) من مديرية الرقابة والتفتيش في السويداء ما شاهدناه وسمعناه من المتضررين وحسب ما قالته صعب (اتخذنا مجموعة قرارات لتحسين الوضع في الجمعية، وذلك بناءً على شكوى جاءتنا من قبل مشرفات الدار وفعلاً رفع القرار رقم (12/5/20/4م) بتاريخ (2/1/2008) لإجراء اللازم).
أما (بشرى جربوع) مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في السويداء أنكرت وصول أي قرار من الرقابة والتفتيش أو الوزارة بخصوص الدار وعن مسؤولية مديرية الشؤون اتجاه الدار قالت جربوع: (إن مهام المديرية تقتصر فقط على الإشراف الإداري ولا علاقة لها بالخدمات) وعندما شكونا لها أوجاع النزلاء ووضع الدار كما رأيناه نفت وجود مثل هذه الأمور وعندما طلبنا منها مرافقتنا إلى الدار كي تشاهد الوضع السيئ الذي نفته ورفضت.

أما وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فقد نسيت متابعة الموضوع لأن قرارات الرقابة والتفتيش وجهت إلى الوزارة وبشكل سري لتنفيذها على الفور علماً أن الكتاب وصل بتاريخ (13/1/2008).

Advertisements

3 thoughts on “بيت اليتيم في السويداء مسرح من العقوبات والشؤون الاجتماعية جمهور يتفرج

  1. دانيا says:

    وضع المنظمات الغير حكومية بسوريا سيء جدا بشكل عام, يعني بؤرة للفساد و خصوصا أنو مافي رقابة “غير حكومية” و رقابة حكومية متل قلتها.
    لما كنت متطوعة بحلب لقينا صعوبات كبيرة لنلاقي منظمات تسمح لمتطوعين ( و خصوصا أنه كان في سوريين و بريطانيين) ليتطوعوا فيها لأسباب تافهة و من دون أسباب أحيانا.
    اتخيلي كانوا يخبوا بياناتون و يمنعوا أي نشاط نشاركون فيه.

    لازم ينعمل منظمة رقابية غير حكومية
    و بغياب مجتمع مدني … مين رح يسمع؟و المجتمع يلي بينظر لنفسه ككتلة مسحوبة الصوت و اللون و كأفراد فاقدين الثقة
    بقدرتون على التغيير, كيف رح يصير تغيير؟

    شكرا رزان أنك نشرتي هالمقال هون

  2. مرح البقاعي says:

    ويتحدثون عن غوانتامو!

    كيف لا يحال المسؤولون عن هذا الميتم/المعتقل إلى المحاكمة؟

    هل يعقل أن امتهان أيتام ، لا حول لهم ولا قوة ، جريمة لا يعاقب عليها القانون؟!

    هل يعقل أن هذا الاضطهاد والقهر والاستلاب الإنساني يحدث في مسقط رأسي سوريا؟ !

    أكاد لا أصدق ما أقرأ !

    أنا أطالب السلطات بفتح تحقيق فوري بهذه الجرائم الإنسانية بحق أطفال عزل.
    مرح البقاعي
    واشنطن ـ الولايات المتجدة

Comments are closed.