لا للحجب: تضامني مع الأخ عمر مشوّح

علمنا مؤخراً بنبأ حجب مدوّنة الأخ عمر مشوّح في سوريا, الأمر الذي أجده غريباً حيث أنّ عمر لا يدوّن ضد أيّة دولة أو نظام بشكل مغاير أو خاص عن البعض الذي حجبت مدوّنته مؤخراً كذلك, حيث أنّ الأخير قد اتخذ من مدونته منصة لمعارضة النظام السوري فحسب, ولا نجد له موقفاً واحداً للأسف أو تدوينة واحدة للتنديد بجرائم الحرب المرتكبة في غزّة ضدّ شعبها ومقاومتها الباسلة. نحن ضدّ حجب أيّ كان, لكنني بلا شك أحزن أكثر على من يدوّن ضد أي ظلم كان كذلك.

هذا النظام لا يعلم أنّ مدونة عمر هي من أكثر المدونات نشاطاً ضد جرائم الحرب التي ترتكبها دولة الفصل العنصري هذه للكيان الصهيوني الاستعماري, وقد اتخذ من موقع المدوّن منصة للهجوم ونشر الوعي على جرائم هذا المحتلّ, ولم يبخل بدعم الحملات والتدوينات التي نشرت تضامناً مع أهلنا في غزّة ومقاومتها الصامدة, من هنا أنا فعلاً حزينة, رغم أنني لست مستغربة من هكذا قرار, فقد اعتاد من يقاوم في سوريا ولأجل سوريا أن يُحجبوا, ولن يُحجبوا, عن شعبها ومدوّنيها يوماً.

الحجب لن ينفع يا سادة, بل على العكس, هو يزيدنا اصراراً على هذه المقاومة الافتراضيّة التي خلقناها في غياب الحريّات والخيارات للمقاومة الفعليّة على الأرض.

نحن معك يا عمر, لا تيأس, ولن تهزّنا هكذا سياسية, نحن معك في هذا المشوار.

حول فكرة "التضامن مع غزّة"

مقالة نُُشرت لي في منصّات.

ما يحصل في غزة ليس أزمة إنسانية إستثنائية ولا حدث يأتي ليكسر حالة طبيعية بل هو جريمة مستمرة تستدعي حلولا سياسية وحقوقية بدلا من التضامن المطالب بعودة الأمور الى ما كانت عليه قبل العملية العسكرية أو قبل الحصار. فما معنى التضامن مع غزة اليوم؟ وما هو المطلوب لنصرة غزة؟ رزان غزاوي تقترح إجابة عن هذه الأسئلة.

رزان غزّاوي – بيروت

p28_20081229_pic1full1

من الاعتصام تضامناً مع غزة أمام الاسكوا. جريدة الأخبار – مروان بوحيدر

إنّ ردّة فعل المحليين الانفعاليّة إزاء المجازر الجماعيّة التي ترتكب بحقّ سكان قطاع غزّة هي دوماً, فيدرالية الظاهر. بمعنى أننا نتضامن مع قانا في مجزرة قانا, ونتضامن مع جنين في مجزرة جنين, والآن نتضامن مع غزّة في مجزرتها. لا يتمّ قراءة وتمحيص للاستراتيجية الاسرائيلية في ممارساتها بقدر ما يتمّ تناول الحالات اللاإنسانية كخطاب في ردّنا وهجومنا على اسرائيل.

هنا أعرض ملاحظات حول حملات “التضامن مع غزّة” التي يتبنّاها الشارع العربي.

بداية, أعتقد أنّ فكرة التضامن بحدّ ذاتها هي غريبة إن تبنّاها سكّان منطقة واحدة على اختلاف تاريخهم وثقافتهم. حيث أنّ سكّان هذه المنطقة توحّدهم أخطار واحدة فعليّاً, من استبداد قادتهم من جهة, ومن تدخل امبرياليّ من جهة أخرى, وبالطبع, من وجود كيان إستعماري كاسرائيل من جهة ثالثة.

أفهم أن يتضامن سكّان كوبا والبرازيل وباكستان مع غزّة, لكنّني لا أفهم, حين يتضامن السوريون واللبنانيون والأردنيون, لا بل الفلسطينيون في الشتات, مع غّزة, فماذا يُقصد بالتضامن هنا؟

على الخطاب المحليّ إزاء المخاطر المذكورة ألا يكون متضامناً بذات المنطق المنادى به حول العالم, فالتضامن, أيّ التعاضد والدعم وما إلى ذلك من عبارات مؤازرة, هي عبارات أطلقت في البدء من قبل مجموعات عالمية”ناشطة” لحشد دعم من لا صلة مباشرة له بالقضية المعنية. أمّا هنا, فأعتقد حين يدعو المحليين أنفسهم بدعم أنفسهم, هو أمر لا بديهي فحسب, بل يعكس ترديّا في قراءة المشكلات التي نعاني منها أوّلاً, وطريقة تناولنا لها ثانياً.

أي إنّ تضامن أمريكي مع فلسطيني عليه ألا يكون كتضامن سوري مع فلسطيني, حيث أنّ الحلقة التاريخية ليست نفسها, وآثار هذا التضامن لن تكون نفسها, وبالطبع, آثار العدو ليس لها الوقع ذاته على الامريكي كما هي على كلّ من السوري والفلسطيني. من هنا نحن محليّين, لا عالميّين.

على الخطاب المحلّي أن يتضامن حصراً حقوقياً وسياسياً كي يكون فعلاً متضامناً, عليه أن ينادي بمطالب, بالتدخل وبالتغيير لواقع غزة الذي هو واقع بلدان المنطقة بأسرها.

من هنا نأتي إلى الفكرة الثانية التي أود الحديث عنها في عبارة “التضامن مع غزّة”.

إن عبارة التضامن مع “غزة” في هذا التوقيت تعكس المنطق التالي:

إنّ المجازر في غزّة هي “المشكلة” الرئيسية في القطاع, والقتل بحدّ ذاته, ما يجعلنا نثور ونعبّر عن تضامننا ضدّ هذا القتل. من هنا, المشكلة هي سياسة اسرائيل اللاإنسانية في القطاع, والذي بدأ بالحصار وبالتجويع والآن بالقتل.

هكذا خطاب ورؤية لسياسة اسرائيل تجاه غزّة يستدعي بطبيعة الحال رد فعل إغاثيّ, الأمر الذي نشهده منذ فترة في إرسال زوارق المساعدات التي تصل والتي قد لا تصل غزّة, بالإضافة إلى جمع التبرعات من مال ومساعدات ودم من قبل منظمات وجمعيّات عربيّة. الأمر الذي يجعل التضامن من أصله لاغياً, عند توقف الحصار أو المجازر. بينما إن كان خطاب تضامننا سياسيّا وحقوقيّا, فهو من شأنه أن يضع النقاط على الحروف في قراءة سياسة الفصل العنصري لاسرائيل ومغيّراً دفاعنا هذا ضد اسرائيل, ووجه الصراع العربي الاسرائيلي من أصله.

ممّا سبق, إنّ مخاطبة هذا الفصل العنصريّ تحديداُ ودون شرط زمنيّ وعاطفيّ هو ما يشكّل تضامناً حقيقيّا وهجوم تكتيكيّ ضدّ اسرائيل. فسياستها هذه, هي السبب الرئيسي وراء المجازر التي نشهد, ووراء عدوان تموز, ووراء وجود اللاجئين, ووراء وجود سجناء ومعتقلين, ووراء المجازر الحاصلة في كل مجتمع تبنّى نهج مقاومة الاحتلال.

امتداد

عندما يأتي ذاك “العلمانيّ” ويدعو الفتاة المسلمة المتحجّبة بال”خالْصة” عند رفضها أن تسلّم باليد, ويأتي ويعرّف عن نفسه “بالليبراليّ” وصاحب الفكر “الحرّ” كونه يسلّم على الجميع باليد- علماً أنّه يفعل ذلك تطبيقاً لمعتقداته كذلك- فذاك يدلّ على شيئين اثنين:

أوّلهما: ربط العلمانيّة بكلماتٍ متجرّدة صنع لها معنىً إيجابيّ كـ”الحرية” والـ”تحرر” والـ”انفتاح” رغم أنّ انزعاج هذا الليبراليّ المثقف المتحضّر وووصفه للفتيات المحجّبات بالتخلّف لرفضهنّ السلام عليه باليد لا يدّل على انفتاح بل على تطرّف إيدولوجيّّ في معتقداته. في نفس الوقت, نجد عند الليبراليين العرب واللاعرب ربط الحجاب كفكرة وأسلوب حياة, بالتخلّف, فإذن نحن هنا أمام لا تقييم “الممارسة”, ممارسة الآراء, بل تقييم “الآراء والمعتقدات” بحدّ ذاتها. وإشكاليّة هذه الفكرة هي أنها لاغية لأي إمكانيّة تواصل منذ البدء وقبل الحديث أو نقاش ممارستها. فإذن نحن هنا أمام منطق إلغائي.

في كلا المخيمين, المتدين والعلماني, نجد أناس ينظرون بدونيّة الى الاخر نتيجة هذا المنطق, مدعين أنهم أصحاب النظرة الصحيحة الى الحياة.

ما يهمني في الموضوع, هو أنّ العلمانية أتت كردّ, هذا إن أسلمنا انّ الردّ بحدّ ذاته صحيحاً, على انغلاق بعض المتديين على أفكارهم رافضين التعامل واحترام أفكار وآراء اللامتديّن أو االامؤمن, الا أنّنا نجد أنّ الليبرالي والعلماني ماهو الا امتدادا لثقافة يصرح علنا انه يعارضها, من هنا اجد ان وجوده مربك كونه وجد أصلا, ليكون مثالا ونموذجا ضدّ اي تعصب ايدولوجيّ. أي أنّ وجوده أصبح مناقضاً لذاته حتّى أصبح دون معنى, على عكس المتديّن الذي يكمن وجوده على معانٍ عديدة.

ممّا نستنتج أنّ جذر مشكلتنا التواصلية هي ليست بالفكر الاسلامي او بالفكر العلماني او اليساري, بل بثقافة الانعزالية الفكرية وعدم النظر الى الافكار الجديدة والمختلفة أو المغايرة بشيء من الاهتمام حتى لو لم نوافق عليها أبداً, فنحن في آخر النّهار نتعامل مع ابن وبنت منطقتنا, وتعاملنا اليوميّ معها ومعه ضرووي أن يكون على أسس صحيّة ضمن حدود جغرافيّة معيّنة تدعى وطن.

أن تكوني قارئة حقيقيّة

أي أن تعاملي الكتاب كورشة عمل:

لا خلاف حول وجود لذة القراءة، ولا سبيل إلى إنكارها ونفيها؛ فهناك لذة الاستغراق في عالم الرواية، ولذة ملامسة لغة الشعر، ولذة رؤية الزمن يتقلص إلى لحظة خاطفة في الخيال، كما توجد لذة فهم الذات وبقية الوجود. لكنها ليست لذة غير مؤذية تماماً، إنما هي لذة تستلزم مقابلاً. فلماذا يتم إخفاء ارتباط القراءة في عمقها بالسأم والقلق إلى درجة أتساءل فيها أحياناً إن لم يكن المكتئبون بمفردهم هم القراء الوحيدون والحقيقيون؟