دليل أبرز الشركات الداعمة للعدوّ الصهيوني

اليوم قلت لوالديّ أن نقاطع نسكافيه, وأنا أصلاً لا أشرب الكوكا كولا منذ حرب تموز, ولن أشتري زيت جونسون أند جونسون الذي أستخدمه في الصيف, وسأحاول أن أتعلم استخدام أوبونتو كي أقاطع مايكروسوفت. انقري هنا لقراءة البحث الذي نشرته مجلة الآداب اللبنانية وهنا من أجل تحميله.

وهنا لتصفح العدد الأخير لمجلة الآداب حول الحرب الأخيرة على غزة.

Advertisements

حلقة "أحمر بالخط العريض" عن المثليين لم تكن عن المثليين بقدر ما كانت توثيق للعنصرية

نُشرت على موقع ميم.

رزان غزّاوي

يوم الأربعاء 28/1/2009، طرح برنامج “أحمر بالخط العريض” على شاشة أل بي سي موضوعاً واحداً حول المثليين وهو “هل المثلية مكتسبة أم فطرية؟”، غير أنّ الأسئلة التي طرحها مقدم البرنامج، مالك مكتبي، لم تكن في سياق هذا المحور ولم تحاول طرح أجوبة منهجيّة وعلمية ووافية تجيب عن هذا السؤال، سلبيّا كانت الإجابة عليه أم إيجابيّة، بقدر ما كانت الأسئلة تعامل المثليين والضيوف – الذين لم يكونوا مثليين كما سنشرح لاحقاً في هذه المقالة – ككائنات لا غريبة عن المجتمع فحسب، ولكنّ تمّ التعامل معها كأنّ العملية الجنسية بحدّ ذاتها مركزاً لكيانهم ووجودهم ومحورا لحياتهم.

تمّ اختزال المثلية بالحياة الجنسية فحسب. وأقول العملية الجنسية لا الميول الجنسي. وهذا خلل مهين وعنصري في اختزال المثليين إلى كائنات جنسية ولا تتعامل معهم، ببساطة، كبشر لهم حيوات واهتمامات، لا بل إنّ تهميش المجتمع لهم قد جعل العديد منهم نشطاء على الساحتين السياسية والحقوقية.

وهنا نستغرب مقالة ليال حدّاد في جريدة الأخبار، حيث تقول أنّ الحلقة كانت بعيدة كلّ البعد عن التعامل مع موضوع المثلية بشكل “فضائحي”، لا بل وتقول أن مكتبي تعامل مع المثليين بشكل “عميق”:

قد تكون حلقة أول من أمس من أحمر بالخط العريض على أل بي سي من المرات النادرة التي يفتح فيها الإعلام العربي قضية المثلية الجنسية بهذه الجرأة وبهذا التعمّق خارج الإطار الاستعراضي والفضائحي.”

لكن تعامل حلقة أحمر بالخط العريض كان تماماً على عكس ما تقوله حدّاد. لم يكن في الحلقة حواراً أكثر منه استجواباً وتحقيقاً ومساءلة ومحاسبة وعتاباً(!). نستطيع بسهولة استشفاف النمطيّة والتسطيحية في أسئلة مكتبي التي لا يمكن وصفها سوى بالترويجية والاستعراضية، لإرضاء جمهور ينبذ المثليين أصلاً رغم جهلهم بها.

وهنا نسأل السؤال التالي: هل يمكن لأي قناة عربية تتخذ من الجمهور ومشاهديها مصدراً لرزقها، حيث إن خسرتهم خسرت التمويل السعودي لها ومشاهديها الخليجيين والعرب على حد سواء، هل يمكنها أن تكون غير ذلك؟ ولا يظنن أحد أن المجتمع اللبناني أكثر انفتاحاً من المجتمعات العربية المجاورة، العنصرية نفسها تجاه الأقليّات، السلطوية الذكورية نفسها تجاه النساء، والتمييز نفسه تجاه المثليين.

إذن، يعلم مكتبي مسبقاً إنه لا يستطيع سوى أن يكون منحازاً، فلماذا يبحث في موضوع لا يُبحث من أصله في إعلام ممول هكذا وغير مستقل؟ بالطبع، ليزيد نسبة مشاهديه. لقد تمّ استخدام المثليين كوسيلة ترويجيّة للبرنامج. سقط البرنامج، وسقطت الـ ال بي سي معه.

سأتناول بالتفصيل أمثلة عن لا منهجية مكتبي وعنصريته في تناوله للمثلية.

أولاً، مكتبي كان منحازاً، ولم يسمح للحوار أن يذهب إلى مكان لا يريده هو. نجد ذلك في مناسبات كثيرة أحدها عندما كانت الطبيبة تتحدّث عن العلاج “التصحيحي” للمثليين إن لم يستطيعوا التكيّف مع المجتمع، رغم أنني أعتقد أن العلاج يجب أن يأخذه من لا يتكيف مع وجود المثليين أصلاً.

من قال أنّ للمثليين خاصية عدم التكيف مع المجتمع؟ أوليس رهاب المثلية دليلاً حاسماً وقاطعاً لعدم قدرة المجتمع للتكيف مع المثليين؟ لمن العلاج التصحيحي إذن؟ أعتقد أن الطبيبة ذات نوايا حسنة، لكن قلما تفيد النوايا الحسنة بحد ذاتها في مساعدة المعنيين بالأمر. لم تكن الطبيبة أخصائية أو احترافية في التعامل مع موضوع المثليين. وسنشرح ذلك لاحقاً هنا في أمثلة.

نعود إلى مكتبي. عندما أرادت الطبيبة شرح التأهيل والعلاج التصحيح قال لها، “سوف نتحدث عن إعادة التأهيل والعلاج بآخر الحلقة”، في حين أنّه لم يفعل، مع أنّ الطبيبة قالت وبشكل واضح أنّ المثلية ليست مرضاً، حاسمة الجدل حول وجوب معالجة المثليين لكونهم ليسوا مرضى. ورغم مفصلية وأهميّة هذه النقطة بالذات، والتي كان من الممكن الاستفاضة بها، تجاهل مكتبي هذه النقطة تماماً وذهب ليسأل هناء، الضيفة من السعودية، لم طلّقت زوجها(؟).

نقطة أخرى مهمّة تجاهل مكتبي الحديث عنها وقد تناولتها الطبيبة في قولها أنّ الدراسات تشير إلى أن التوجه الجنسي ليس منمطاً، حيث ليس بالضرورة أن يكون الذكر منجذباً إلى الأنثى أو العكس صحيح. من هنا فإن المثليين هم أشخاص لهم وظائف جنسية واحدة إنّما بميول جنسية مختلفة، وهذا الميول، لا قاعدة له لتشذ عنها. هذه النقطة من شأنها أن تدحض كل نقاش يتناول المثليين كأشخاص ضدّ الطبيعة، غير أنّ مكتبي فضل أن يسأل الضيفة من السعودية إن كان سبب طلاقها من زوجها له علاقة بتجارب سابقة مع النساء.

ليس هناك من شكّ في الأمر، مكتبي لم يكن يريد مناقشة المثلية بصدق وأمانة، بل استخدم جميع الأسئلة النمطيّة والعنصرية في زيادة الجهل والعنصرية تجاهها.

لنبحث حواره مع هناء، أجابت الأخيرة بكل وضوح عن أسئلته حول طلاقها مع زوجها أنّ الطلاق لا دخل له بتجاربها الجنسية السابقة مع النساء، بل كانت علاقتها مع زوجها عن “اختيار وعشق وممتازة” لكنها لم تستمر لـ”سوء التفاهم”. أصرّ مكتبي على معرفة أسباب الطلاق “ممكن أعرف سبب الطلاق أم هي أسباب خاصة”؟

وهنا نسأل، أليس السؤال ” ما سبب طلاقكِ؟” بحد ذاته خاص مهما كانت الأسباب؟ فالإجابة عليه حتما ستكون خاصة، لكنّ هذا السؤال يعكس تماماً لا احترافية مكتبي في إلقاء السؤال من أصله. تخرج العبارات منه دون معان. إنّ هذا الفشل كمقدّم في طرح أيّ سؤال منطقيّ سيعكس بالضرورة تناوله لأي موضوع حسّاس وجدليّ كموضوع المثليّة بفشل. إذن، نحن أمام مقدم منحاز لضمان مموليه الخليجيين ولكسب جمهور أوسع، ونحن أمام مقدّم لا يفقه أصول طرح السؤال.

لنعود إلى هناء، حاول مكتبي استدراجها لتقول أن علاقاتها السابقة مع النساء سبب طلاقها من زوجها كونها لا “تستطيع ربما أن تُشعر الرجل بلذة كاملة معها”، ولهذا السبب كان زوجها يخونها حسب تحليل مكتبي طبعاً. أصبح النقاش غريباً جداً، المشكلة أولاً هي التعامل مع هناء على أنها مثلية في الوقت الذي تقول فيه أنها ليست مثلية، رغم ممارستها الجنس مع بنات جنسها، ثانياً، الطريقة التي تُعاملُ بها هناء ليست حوارًا وإنما استجواباً كي يأخذ منها ما يشدّ ويرضي الجمهور المتعطش لأيّ جملة حول حياة خاصّة بينها وبين زوجها أو بينها وبين النساء.

ليكن الأمر واضحاً لدى كلّ قارئ ومشاهد لتلك الحلقة، لم تكن بين جميع الضيوف الأربع، بالإضافة إلى التقرير عن الشاب المصري مثلي أو مثلية سوى ضاوية التي أخذت من وقت البرنامج القليل القليل، رغم أنّ مشاركتها كانت فخر لكل مثلية ومثليّ.

أقول لم يأتي مالك بمثلية غير ضاوية، بل أتى بأشخاص مارسوا الجنس مع نفس الجنس وشتان ما بين الأمرين. هناء مارست الجنس مع النساء فقط، وهي توضح أن ما حدث وما كانت تريده من النساء هو الجنس فقط في تعذّر حصولها على الذكر، وهذا لا يمت بصلة بالمثلية بتاتاً. وجلب مكتبي ضيوفاً آخرين غير مثليين على أساس أنهم مثليين، فقط لممارستهم الجنس مع نفس الجنس، هو جهل مريع وتشويه للمثلية وانعدام الأمانة في طرح موضوع المثلية من جهة أخرى، وهنا نجح مكتبي عبر هذا الخلل الهائل في طرحه للمثلية أن يعزّز الصورة النمطية المشوّهة أصلاً عن المثليين.

سوء اختيار الضيوف (وإن كانوا من أسواق تلفزيونية كبيرة: مصر والسعودية) لم يكن سوى عبارة عن مساعدة كل ما لا يفهم المثلية أن لا يفهمها مطلقاً، ويدينها دوماُ ويؤكد على صورتهم الجاهلة بها. مكتبي ضرّ القضية أكثر ممّا يعتقد بكثير، ولن يغفر له التاريخ ذلك في مسيرته الإعلاميّة.

هناك شرخ هائل في الحلقة من الأساس، فالحلقة التي يفترض أن تكون حول المثليين لم تكن سوى عبارة عن حلقة مكونة من أشخاص مارسوا الجنس مع بنات وأولاد جنسهم فحسب.

هناء كانت مركز الحلقة كونها ذات قصص “جذابة”، والطبيبة لم يسمح لها بالحديث مطولاً عن الدراسات التي تؤكد عدم صحّة أي حديث يقول أن المثلية “شذوذ” أو “مرض”. لكن تصميم مكتبي على جعل كل من هناء وعمر من مصر مثليين هو المرض، في الحلقة كلّها. لكم مثالا آخر:

تحدثت هناء عن زوجها وعن كونه خائناً وكان هذا سبب طلاقهما، قالت أنّ “الرجال كلّهم خونة وهذه طبيعتهم في رأيي”، الأمر الذي نسمعه من نساء كثر كانت لهنّ تجارب سيئة مع الرجال. هنا يصمت مكتبي وكأنه فكّ لغز هناء حيث قال: “أنت تقولين الرجل يعني خائن، يعني لديك صورة سلبية عن الرجل”، صفقوا جميعاً. إذن، هناء مثلية!

كل الحوار ما بين مالك وهناء كان يتمحور حول النقطة التالية: هناء تقول إنها ليست مثلية، بل مارست الجنس مع الإناث للجنس فقط، وتؤكد على أنها لن تتخلى عن الرجل أبداً، وتعتبره كائناً جميلاً وهناء تقول أن الرجال كلهم خونة وتحب خيانتهم. ومالك، في الجهة الثانية، يقول إنها مثلية، ويصر على سؤالها الأسئلة التالية:

أنت طلقت زوجك أم هو فعل؟

ما سبب الطلاق؟ أم هو سبب خاص؟

هل تريدين رجل أم امرأة؟

هل حددت هويتك الجنسية؟

هل أنت مكبوتة لذلك تمارسين الجنس مع النساء؟

هنا تتدخّل الطبيبة لتعلّق على “حالة” هناء وتقول أن هناء ربما لديها حاجات جنسية “أكثر من المعدل”، الأمر الذي أجده مضحكاً، فهل هناك معدلاً للرغبة؟

تحدّثت الطبيبة عن عقدة الأوديب وما قالته ليس غريباً على أي شخص مطلّع. وهنا يأتي دور مكتبي المحلل النفسي في استجواب عمر من مصر: كيف علاقتك مع أبيك؟ كيف علاقتك مع أمك؟ هل تعتبر أنت وأمك واحد؟ هنا الحقيقة ضحكت، ذلك أن الطبيبة قالت أنه في حالة المثليين الذكور تجدين أن الأطفال الذكور لديهم “انصهار تام” مع الأم ويبحثون عن الأب، ومن هنا يبحثون عن شريك ذكر. وكأن سؤال مكتبي أتى كمحاولة لفكّ لغز “المثلي” وراء عمر، الذي شرح بوضوح رأيه المندّد بالمثلية.

عمر عمره 20 سنة من مصر يقول أن والده عصبي جداً وقاس وغائب دوما عن البيت. يضيف أنه بسن 14 كانت هناك ملامسات من ذكور، ويقول إنه كان ابتزازاً، ولم يكن راضياً عن الموضوع. سأله مكتبي عن علاقته بالفتيات، يجيب عمر: “بموت فيهم، بحبهم جداً عفكرة”. ويقول عمر، أن اصطحابه “الوحشين” هم السبب وراء تطور “ميوله” نحو الذكور.

تجدر الإشارة إلى أنّ عبارة “تطوّر الميول” هي عبارة مكتبي وقد استخدمها عمر في إجابته. يتابع مكتبي استجوابه لعمر ويسأله: “ايمتا عمر حددت ميولك الجنسية تجاه الرجال؟”

أولاً، هل تُحدد الميول الجنسية أصلا؟ إن في هذا افتراض على أنّ المثليين وحدهم، إن أسلمنا أن عمر مثلي أصلا، يحددون مسبقاً ميولهم الجنسية ومن هنا هم ليسوا “طبيعيين” كالغيريين الذين يولدون دونما تحديد مسبق للميول الجنسية. إنّ هذا السؤال هو دليل آخر لجهل وعنصرية مكتبي تجاه صحيّة وجود المثليين. ثانيا، هل هذا سؤال يسأل إن كان عمر يقول وبكل وضوح انه ليس مثليا بل أن أصحابه “الوحشين” هم من أدخلوه إلى ممارسات جنسية بين بعضهم؟

عمر أوضح أنه يريد الرجوع إلى “طريق الصح”، فكيف يُسأل متى حدّد ميوله الجنسية؟ مكتبي ليس مهتم من الأساس لما يقوله الضيوف، لديه أجندة من الحلقة ولديه أجوبة يريد الحصول عليها من شاب في العشرين بغض النظر عما يقوله هذا الأخير. لم تشهد الـ “ال بي سي” فاشلا كمكتبي إعلامياً.

وفي سؤال لمكتبي الذي يعتبر إدانة واضحة للمثليين كونهم “غير أسوياء” يسأل عمر السؤال التالي: “يلفتك الذكر المغاير السوي ولاّ المثلي”؟ يعني المثليين بالنسبة إلى مكتبي وبكل صراحة ليسوا أسوياء. هنا أصبح كلّ ما سبق واضحاً أكثر للعيان.

وفي مثال يعكس مدى اهتمام مكتبي بالعامل الجنسي فحسب، في تناوله لموضوع المثلية، نراه في سؤاله لعمر الذي اتصل من قطر وقال لمكتبي أنه مثلي وبشكل علني، وباشر يخبره أنه قال لوالديه بكل صراحة أنه على علاقة مع شخص لأكثر من سنة، هنا يسأله مكتبي سؤالاً واحداً: “يعني كانت علاقتك معو جنسية كاملة”؟

أخيراً، كانت مداخلة ضاوية من الجزائر، الوحيدة التي تُعتبر أنها كانت حول المثلية. ففي إجابة لها لسؤال مكتبي “كيف تغوي امرأة امرأة؟” أجابت بعفوية صادقة أنهّ ليس إغواء، بل انجذاب.

وهنا يسألها سؤال لم أفهمه الحقيقة لغبائه، وعذراً لاستخدام هذه اللغة لكن لا يمكن وصفه بشكل آخر حيث يسألها: “لكِ عدة علاقات، ليه ما استقريتي بعلاقة وحدة؟”

أليست هذه حال الكثير من الشابات والشبان؟ لا أفهم لم يعامل المثليين كحالة خاصة تواجههم صعوبات خاصة؟ وهنا أرفض بشدّة الطريقة التي عوملت بها ضاوية عندما مرّت الكاميرا عليها ببطء تتفحصها من فوق إلى تحت وكأنها مخلوق يصعب تفسيره. كيف تجرؤون؟

لم يُعامَل الضيوف بالطريقة التي عوملت بها ضاوية من قبل الكاميرا، فقط لأنها الوحيدة المثلية في الحلقة.

وهنا أتى سؤال مشمئزّ من مكتبي مع تصاعد الكاميرا ببطء على جسد ضاوية: “أديش عندك انوثة؟”.

الكثير الكثير يقال عن عنصرية مالك مكتبي في تناوله لموضوع المثليين، الأمر الذي نعرفه، نحن المثليين والمغايرين والثنائيين واللاجندريين، فإن معركتنا ليست مع المجتمعات فحسب، بل مع القانون والإعلام العربي كلّه دون استثناء.

الدولة اللبنانية تحاصر سفينة كسر الحصار السياسي والإنساني على غزّة

أقرأي اليوم البيان للصحفيين الذين كان يجب أن يكونوا على متن باخرة الأخوة منددين بتواطؤ اللجنة المنظمة للباخرة والدولة اللبنانية على حدّ سواء معتبرينهم متواطئين في الحصار السياسي والإنساني على غزّة ممّا في ذلك مصلحة مباشرة لمصالح الكيان الصهيوني في المنطقة. هذا أمر سأشرح تبعاته لاحقاً في تدوينة مفصّلة.

مرفأ طرابلس ـ ثائر غندور

المطران كبوجي أمسالمطران كبوجي أمسلأجل موعد مع غزة، لكسر الحصار، وصلوا بأمتعتهم. احتمالات الدخول للقطاع، احتمال الاصطدام بالاسرائيليين كان محور أحاديث النهار. وعندما رأوا السفينة «الظافر» راسية في مرفأ طرابلس، ظنوا أن الحلم يتحقق. ينظرون إلى الباخرة: «عمرها من عمر النكبة» يصرخ أحدهم ضاحكاً. «لا يهم» تجيبه صديقته. الخبر المشؤوم الرقم واحد: السلطات اللبنانيّة رفضت السماح للسفينة بالانطلاق. السبب: إنها غير آمنة. يتحرّك المسؤولون في «المبادرة الوطنيّة لكسر الحصار» ويؤمنون أخرى: «تالي».
يحمل المتطوعون الستة والثمانون أمتعتهم ويصعدون إلى السفينة. الحلم أصبح قريب القطاف. «هناك سفن أوروبية تنتظرنا في قبرص للذهاب إلى غزة»، يقول أحد المتطوعين. هذا يعني أملاً كبيراً في الوصول.
تمرّ الساعات بطيئة. يصل رئيس تجمع اللجان والروابط الشعبيّة معن بشور قائلاً إنه يحمل خبراً سيئاً «أبلغتنا السلطات أن الذهاب إلى غزة غير وارد بهذه السفينة لأنها سفينة شحن، وهناك خياران: إما أن لا تذهب السفينة أو تذهب بدون المتطوعين».
يسود صمت رهيب. تكفهرّ الوجوه. ينسى الجميع تعب الساعات التي وقفوها على أرجلهم من دون طعام وتحت المطر. يخرج نقابي شيوعي ليقول «هناك قرار سياسي بمنعنا. ألم يكونوا موافقين حتى صباح اليوم على السفينة الأولى»؟ تعلو صرخات الاستهجان. يطلب بشور تنظيم النقاش «حتى نأخذ قراراً موحداً». يتحدّث بعض رجال الدين في الإطار ذاته: «ذاهبون إلى غزة شاء من شاء وأبى من أبى. هم وافقوا على سفر السفينة التجاريّة. قالوا أحضروا سترات النجاة وأحضرناها، ما الذي تغيّر؟ من المسؤول؟ هل هو الاعتدال العربي؟».
يقول معن بشور إن الرؤساء الثلاثة ووزير النقل على اطلاع على ما يجري وهم لا يريدوننا أن نقع في مشكلة قانونيّة. لا يقنع الكلام أحداً. ماذا نفعل؟ يقترح عربي العنداري رئيس المجلس الوطني في اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني «التظاهر حتى ذهاب السفينة بمن عليها».
«نريد فعل الخير وهم يعرقلوننا» يقول مطران القدس في المنفى هيلاريون كبوشي، ويضيف «السبب هو الخارج أي دول الاعتدال العربي». يعلّق أحد الموجودين «الاسرائيليون مأزومون ولا يريدون أن يمنعوا هم السفينة فمنعها اللبنانيون وفق طلب أميركي». لم ييأس المتطوعون. قلّة منهم تعتلي متن السفينة، قبل أن ترفع القوى الأمنيّة السلم، وتمنع الباقين من الصعود. المفاوضات مستمرة. هناك من يطالب الدولة بتأمين سفينة إذا ما كانت جادة. الشتائم تطال الوزير غازي العريضي «وزير الاعتدال العربي» كما نعته البعض. يقولون إن العريضي مخطئ وسيدفع ثمن موقفه. لا يريدون التراجع. لكن قرار حكومة الوحدة الوطنيّة أقوى منهم. اثنتا عشرة ساعة من الوقوف تحت المطر من دون أكل أو راحة. الثامنة مساءً. تطلع قوة امنية الى متن السفينة وتطلب من الجميع مغادرتها. يقترح أحد المنظمين أن تسافر السفينة بثمانية اشخاص معظمهم من الاعلام المرئي. يرفض المعتصمون. هم قابَ سفينة من غزة. وحتى كتابة هذه السطور، كان الانتظار سيد الموقف. بكلمات قليلة: سفينة كسر الحصار محاصرة من الدولة ومن عدم تنسيق المنظمين لرحلتهم. بكلمات وجدانيّة: حلم زيارة فلسطين تأجّل، لكنه لم يتلاشَ.

بيان "حلم" عن حادثة ساسين

ماذا حصل في ساحة ساسين؟

مساء الخميس، تفاجأ الناس في ساحة ساسين بمشهد وحشي. عدد من الأشخاص ينقضّون على رجُلين ويكيلون لهما بالضرب المبرح بالأيدي والأرجل والعصي إلى درجة نزف الدماء، ثم يجرّونهم إلى وسط الشارع ويقومون بشتمهم و”فضحهم” ليتفّرج أهل الحي وروّاده. كلّ هذا بحجّة أنهما ظهرا وكأنهما يمارسان الجنس داخل أحد المباني قيد الإنشاء.

في اليوم التالي للحادثة، قامت صحيفة “لوريان لوجور” بتناول الخبر و اعتبرت إنّ المثليّة الجنسية تعرضّت لاعتداء مريع في الوقت الذي تنشط فيه جمعيات حقوق الإنسان دفاعاّ عن الحرية الشخصية. لكن، خلافاً لما نقلته الصحيفة، أكّد شهود عيان أنّ المعتدين كانوا بلباس مدني.
تستنكر “حلم” بشدّة العنف الموجّه ضد مدنيين في الشارع، وتطالب السلطات المعنية بالتحقيق في الموضوع والكشف عن الجناة في أسرع وقت ممكن، خاصّة إذا كانوا يحملون صفة أمنية كما أشار بعض الروّاد، مع التأكيد على ضرورة احترام خصوصية وحماية سمعة الضحايا. ولا يمكننا بأي شكل من الأشكال القبول بإعطاء جريمة غطاءً قانونياً تحت حجّة أن تصرّفات الضحيّة تخدش الحياء العام. ونسأل، أين الحياء في هذا الاعتداء المقزز والمنافي للكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان؟

إزاء هذه الجريمة نسأل عن مدى تأثير المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني – التي تُستخدم لتجرّيم العلاقات المثلية – في إضفاء جوّ من الإفلات من العقاب عندما تكون الضحيّة من شريحة مهمّشة اجتماعياً وتعاني قمع المتزمّتين والمكبوتين؟ ويبدو أن المادة التي توقّف بعض القضاة عن أخذها بعين الاعتبار والتي وصّت جمعيات حقوق الإنسان بشطبها من القانون، تتحوّل إلى ذريعة للابتزاز والتحرّش والاعتداء في العلن بحجّة حماية الأخلاق التي تمنعنا من الحب وتسمح لبعض الموتورين بتنفيذ أحكام خارج نطاق القضاء.

ندعو بشكل واضح وصريح لمحاسبة الفاعلين وحماية خصوصية ضحايا الاعتداء، بالإضافة إلى العمل على التخفيف من وطأة الوصم التي تطال الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال من خلال تعامل الدولة بشكل جدّي مع التزاماتها تجاه حقوق الإنسان، بغض النظر عن التعبيرات الجنسانية أو الهوية الجنسية أو الممارسات التي تكون برضا الشريكين. مع التأكيد على أن حماية الآداب العامة لا تتحقق بالعودة إلى شريعة الغاب.

حزب الله تظاهر بالتظاهر من أجل غزّة

كم كنت سعيدة بخطاب نصر الله حين دعا للتحرّك الجدّي من أجل غزّة, هو الزعبم المحلّي الوحيد الذي أخذ على عاتقه بالتخصيص للحديث عن أكبر حصار في التاريخ البشري المعاصر والذي تمارسه سلطات الاحتلال على الغزّاويين.

من تذهب مراراً إلى مظاهرات حزب الله تعرف, أنّ المظاهرة الواحدة تستغرق عدة ساعات, لا أقل من ستّ أو سبع ساعات, لذلك تجدين عناصر “انضباط حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت يوزّعون الماء على القادمين عبر الحواجز إلى مجمّع الشهداء حيث تكون مظاهرات حزب الله عادة.

ذهبنا إلى هناك, ووجدنا الانضباط والحواجز, كانت هناك هتافات غريبة ليست من وحي المناسبة, غريبة أي أنّ طابعها لبنانيّ وداخليّ, لا شأن لها بالاحتلال الاسرائيلي للمنطقة ولا علاقة لها بغزّة, لا من قريب أو من بعيد. بعض تلك الهتافات كانت طائفية ولسنا هنا بصدد الترويج لها.

كانت المظاهرة ساعة واحدة فقط, ساعة واحدة, أتحدّث عن مظاهرات حزب الله صاحب أطول مظاهرات في المنطقة ربّما, لكنها طويلة عندما تكون ذات صلة بحزب الله نفسه على ما يبدو. فحزب الله لا يعتبر التظاهر من أجل غزّة شأناً جوهريّاً,  فمظاهرته كانت وبكلّ صراحة, “مسخرة”: تحدّث أحد المتحدثين لحزب الله, ثم لحقه نعيم قاسم والذي تفوّه بخطابات معروفة لا جديد فيها, ثم سمعنا أحدهم يقول من على مكبّر الصوت: “أرجو وضع الأعلام مكانها”. وهذه هي مظاهرة حزب الله من أجل غزّة.

لست متفاجأة حقاُ, فحزب الله تحوّل إلى حزب سياسيّ منذ التحرير عام 2000, وأصبح خطابه سياسيّا بامتياز بعد حزب تموّز وأحداث 7 أيّار الماضي. بالطبع, يبقى حزب الله حزباُ مقاوماُ وأهميّته لاتزال استثنائية وليس له مثيل في العالم, لكنه الحزب الذي لا مثيل له والذي يتحوّل ليكون حزبا سياسيا بسعيه لحصد سجلّ  بالتظاهر للتظاهر من اجل غزّة.

اجل, غزّة أصبحت سوقا يتدافع من أجلها السياسيون لحصد جماهير حاشدة تمجدهم وتخلّدهم. حيث تنبي عليها “الشرف” و”العروبة” اللخاصّتين اللتين تمثلان المفتاح السريع للوصول إلى قلوب الجماهير “العربية”.

أمرٌ آخر, لم تكن المظاهرة حاشدة كغيرها من مظاهرات حزب الله, فعلى ما يبدو, يعلم شعب حزب الله في لبنان ذو الغالبية الطائفية الواحدة مسبقاً بعدم قدوم نصر الله للخطبة, فلم يأتِ إلا نسبة ضئيلة مما تكون هي عادة.

اذن غزّة ليست بأهميّة نصر الله, الأمر الذي يعكس ورغم حبّي الشديد لأهالي الجنوب والضاحية الصامدين, كيف أنّ الجماهير الصامدة هي كغيرها ممّن اتبعت قائدها, حيثما يقودها.

موسيقاي

خرجت من المكتبة لأستنشق سيجارة. وبما أنّ الجامعة الأمريكية في بيروت قد استحدثت نظاماً بمنع التدخين داخل حرم الجامعة ماعدا بضع مواقع مخصّصة, انضممتُ الى شلّة من المدخنات خلف المكتبة واللواتي قد ضاقت بهنّ الفسحة المسموحة لهنّ بالتدخين.

احتكر الشبّان المقعد الوحيد المتوفّر للمدخنات, فاتخذت لنفسي بقعة على حافة الحديقة. بدأت بلفّ لفافتي, وضعت كمشة من تبغ الهنود الحمر على لفافة ورق الشام, ضغطت مصفّي الدخّان الى جانب التبغ ولففته بحرص لاصقة الورق بلعابي, ممررة لساني من أسفل اللفافة حتى آخرها, ثمّّّ أشعلتها.

انزعجت من الأصوات العالية التي كان يطلقها الشبّان, ووجدت نفسي أنظر حولي علّني أجد منظرا أكثر سكينة.

كانت هناك فتاة جالسة على بعد عشرة أمتار منّي بعيدا عن بقعة المدخنات. كانت جالسة تقرأ في كتابها وكان جذعها قد مال ناحية الكتاب وكانت يدها اليسرى تداعب ظهرها العاري تحت البلوزة. نظرت الى شعرها الذي مال ناحية وجهها حتى لامس الكتاب.

ظللت أحدّق بها لثوانٍ حتى قاطعتني فتاة أرادت الجلوس قربي.

كانت الأخيرة ذات شعر أسود, وعينين واسعتين سوداوين, أضافت بشرتها العارية من الزينة رونقاً الى لون بشرتها الحنطيّ. كانت جالسة بملل وكأنها قد ضاعت ذرعا من نظام الجامعة بمنع التدخين.

أشعلت هي الأخرى سيجارة وحدّقت بقطٍ سمين يعبر بكسل الممر المؤدي إلى المكتبة الرئيسية.

في هذه الأثناء كنت قد بدأت أسعل, رغم ذلك أصريت على أن أشغل شفتيّ بشيء, تارة بلفافتي, وتارة بفنجان قهوة بارد. أي شيء ليبقيني هنا طويلا, وفي هذا البرد.

انضمّ الى الحشد فتاتين أخرتين, لم أستطع أن أرى من الأولى سوى ظهرها الذي لم يكن مثيرا بشيء, لكن الثانية كانت ممتعة بعظام وجهها وجبينها وابتسامتها الخفيفة, لكن عينيها كانتا أجمل ما فيها, ربما, فلم اتفحص جسدها, لكنني ظللت أتخيل نفسي آخذ لقطات يآلة التصوير خاصتي لعينيها فقط. كانتا تتحدثان بصوت خافت, يزداد خفوتا بازدياد شخير الشبّان.

أدرت رأسي ناحية امرأتي الأولى, كانت قد تربّعت على الكرسي وقد حال شعرها بيني وبين وجهها.

أطلق الشبان ضحكة عالية من الخلف,

أطفئت لفافتي, رميتها في العلبة المخصصة, وعدت أدراجي الى مكتبة ساكنة من كلّ ما سبق.